كواليس رحلات الموت للاجئين السوريين والفلسطينيين

يهربون من الموت المباشر في جحيم سوريا المستعرة إلى احتمالات موت لا يُعرف مكانه ولا زمانه، لكنه غالبا في عرض البحر أو مجاهل الغابات.

هؤلاء هم السوريون والفلسطينيون اللاجئون في سوريا الذين سيصبحون مطرودين من البلد إلى بلاد أخرى يبتزهم فيها النافذون، ومن بينهم موظفون حكوميون، في النهار ومهربون في الليل البهيم، وصولا إلى أوروبا ولكن ليست أوروبا التي يبتغون إنما دول تبدو كأن مهمتها حجز اللاجئين بعيدا عن الوجهة النهائية المرادة وهي غالبا شمال أوروبا وتحديدا السويد وألمانيا.

فيلم “الهجرة السرية” ضمن سلسلة “الصندوق الأسود” الاستقصائية فتح في 30/4/2015 موضوعا شائكا يتعلق بآلاف اللاجئين الفلسطينيين والسوريين في أوروبا، ويكشف عن تفاصيل رحلاتهم الخطرة برا وبحرا إلى أوروبا بالطرق المتاحة، سواء عبر ما تسمى “قوارب الموت” أو عبر البر بقطعهم آلاف الأميال نحو أوروبا بطرق غير نظامية.
لحظات غير مسبوقة
استطاع الفيلم بجهد مميز الوصول إلى لحظات غير مسبوقة في عرض البحر الأبيض المتوسط، حيث بدا المركب مهددا بالغرق. وتعالت صرخات المنكوبين. فكل الصور التي توردها وسائل الإعلام عادة هي ما تبقى من الجثث الطافية التي تدفعها الأمواج إلى الشواطئ والتي لم تصادفها الأسماك المفترسة في أعالي البحر.

غير أن الفيلم عرض بقوة لافتراس البشر عن سابق إصرار وترصد. فالقارب الذي تعطل في عرض البحر يجب ألا تتجاوز حمولته 300 راكب، وإذ بجشع المهربين يحشر فيه 1860 راكبا بينهم 193 طفلا.

مهند، اللاجئ السوري الذي يريد الوصول إلى أوروبا، كان واحدا ممن عاشوا اللحظات المرعبة، وكان فريق الفيلم طلب منه حمل كاميرا سرية لتصوير هذه المغامرة التي انتهى فصلها الأكثر إيلاما مع ظهور مروحيات إيطالية وسفن خفر السواحل.

في الجهة المقابلة من المأساة البحرية ثمة حدود برية يلهث المهاجرون باتجاهها لعلها توصلهم إلى النمسا على الأقل، إن لم تكن ألمانيا والسويد. وفي الأثناء يخضع الهاربون من براميل النظام السوري في الجو وسجونه المخيفة على الأرض إلى شبكات نصب واحتيال تتداول مواقع التواصل الاجتماعي أسماء ثلاثة منهم جمعوا 150 ألف يورو من ضحاياهم.

وائل حاول الهجرة ست مرات عبر البحر قبل أن يلجأ إلى البر، وما زال حتى اللحظة يهيئ نفسه للعبور إلى أوروبا.

رعب البصمة
يخضع الاتحاد الأوروبي المهاجرين غير النظاميين لاتفاقية دبلن التي تنص على أن المهاجر بمجرد وصوله أول بلد في الاتحاد تفرض عليه بصمة إلكترونية تعمم مباشرة على كامل دول الاتحاد. هذه البصمة تمنعه من اختيار البلد الذي يقدم فيه طلب اللجوء وتفرض عليه تقديم طلبه في أول بلد قام فيه بالبصمة. وهو ما يجعل جميع المهاجرين يرفضونها ويحاولون التملص منها قبل وصولهم إلى مقصدهم، فهم يبحثون عن دول ينعمون فيها بضمان اجتماعي وصحي.

في إيطاليا يرفض اللاجئون البصمة أو يحاولون التملص منها، فترصد منظمات حقوق الإنسان تعرضهم للإهانات والضرب والإجبار على البصم، لكن الأمر قد يصل إلى ما هو أبعد. فاللاجئ الفلسطيني معين قريش حصل على اللجوء في ألمانيا حتى بعد إجباره على البصمة في هنغاريا.
السلطات الألمانية استثنت معين من شروط “دبلن” ومعه ما يزيد على 800 لاجئ.

نداء غانم الفلسطينية الأردنية تنتظر مع زوجها فادي خطاب أن يبت في وضعهما ووضع العائلة، وهم يقضون الآن حياتهم في بيت تابع لمنظمة إنسانية. تقول نداء إن السلطات الأردنية سحبت منهم الرقم الوطني فلا يستطيعون دخول سوريا ولا الأردن “وأكيد فلسطين لا تعترف بنا”.

يقول مهند قبل ركوب البحر إنه لا خيار أمامه سوى البحر، وهي غالبا حال كل من يلقي نفسه في المجهول هربا من “حكمة” البراميل والسجون التي تردد كل لحظة “تعددت الأسباب والموت واحد”.
كلمات مفتاحية: هجرة سرية الصندوق الأسود البحر الأبيض قوارب الموت سماسرة